محمد الغزالي

21

خلق المسلم

وحج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على رحل رثّ عليه قطيفة ما تساوي أربعة دراهم ، فقال : اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة . ولما فتحت عليه مكة ودخلها بجيوش المسلمين ، طأطأ رأسه على راحلته حتى كاد يمس قادمته ، تواضعا للّه تعالى . وكان كثير السكوت لا يتكلم في غير حاجة ، ويعرض عمن تكلم بغير جميل . وكان ضحكه تبسما ، وكلامه فصلا ، لا فضول فيه ولا تقصير . وكان ضحك أصحابه عنده التبسم ، توقيرا له واقتداء به . مجلسه مجلس حلم وخير وأمانة ، لا ترفع فيه الأصوات ، ولا تخدش فيه الحرم ، إذا تكلم أطرق جلساؤه ، كأنما على رؤوسهم الطير . وإذا مشى مشى مجتمعا ، يعرف في مشيته أنه غير ضجر ولا كسلان . قال ابن أبي هالة : كان سكوته على أربع : على الحلم ، والحذر ، والتقدير ، والتفكر . وقالت عائشة : كان يحدّث حديثا ، لو عدّه العادّ أحصاه . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يحب الطيب والرائحة الحسنة ؛ ويستعملها كثيرا . وقد سيقت إليه الدنيا بحذافيرها ، وترادفت عليه فتوحها ، فأعرض عن زهرتها ، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله . الإنسان بين الخير والشر الإسلام - كسائر رسالات السماء - يعتمد في إصلاحه العام على تهذيب النفس الإنسانية قبل كل شيء ، فهو يكرس جهودا ضخمة للتغلغل في أعماقها وغرس تعاليمه في جوهرها حتى تستحيل جزءا منها . وما خلدت رسالات النبيين وكونت حولها جماهير المؤمنين إلا لأن ( النفس